قد تقرأ -أحيانًا- نصًا مترجمًا إلى العربية، فلا تجد فيه خطأً لغويًا واضحًا، لكنك تشعر أن ثمة شيئًا جعل النص يبدو غريبًا، ربما يكون اسمًا غير مألوفٍ للقارئ، أو مثلًا لا ينتمي إلى بيئة العرب وثقافتهم، أو عبارة تسويقية سليمة في لغتها الأصلية لكنها تبدو مصطنعة بالعربية، وهنا تظهر المسافة بين الترجمة والتوطين.
فالترجمة -مهما بلغت جودتها- لا تكفي دائمًا لنقل المحتوى من بيئةٍ إلى أخرى، فلم يعد السؤال اليوم كيف نترجم هذا المحتوى إلى العربية؟ بل كيف نجعله مفهومًا ومألوفًا ومؤثرًا في من يقرؤه بالعربية؟
من «الوطن» إلى «التوطين»
يحمل لفظ «التوطين» في بنيته العربية دلالة لافتة؛ فهو مشتق من «الوطن»، بما يحمله من معاني الإقامة والاستقرار والانتماء إلى المكان، ومن هذا الأصل اكتسب الفعل «وطَّن» دلالة جعل الشيء يستقر في موضعٍ أو بيئةٍ وينتمي إليها. وقد اتسع استعمال المصطلح في عصرنا حتى أصبحنا نتحدث عن توطين الوظائف، وتوطين الصناعة، وتوطين التقنية والمعرفة، وغيرها، ومع اختلاف هذه السياقات، إلا أنه يجمع بينها معنىً يتجاوز مجرد النقل؛ أن ينتقل الشيء إلى بيئةٍ جديدةٍ ثم يُعاد تشكيله أو تكييفه ليصبح قادرًا على العمل والاستقرار فيها.
ومن هنا يمكن فهم مصطلح توطين المحتوى، فهو لا يعني نقل الكلمات من لغة إلى أخرى فحسب، بل تكييف المحتوى مع البيئة اللغوية والثقافية والاجتماعية والتقنية للجمهور الذي يتوجه إليه، وباختصار فإننا في الترجمة نسأل: كيف ننقل هذا المعنى إلى العربية؟ أما في التوطين فنسأل: كيف ينبغي أن نقدم ذلك المعنى للجمهور العربي؟
حين لا تكفي الكلمات
قد تشمل عملية التوطين اللغة، لكنها لا تتوقف عندها، فقد تقتضي تحويل العملات ووحدات القياس وصيغ التاريخ، وتعديل الصور والأمثلة والإشارات الثقافية، ومراعاة طرائق المخاطبة والأعراف الاجتماعية، وتكييف واجهات المواقع والتطبيقات ووسائل الدفع وخدمة العملاء، بل إن التوطين قد يصبح أكثر تخصيصًا كلما اقتربنا من الجمهور المستهدف؛ فما يصلح لجمهورٍ عربي عام ليس بالضرورة الخيار الأمثل لجمهورٍ سعودي، وما يبدو مألوفًا في ثقافةٍ ما، قد يحمل دلالة مختلفة في ثقافةٍ أخرى.
وتزداد هذه المسألة أهمية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، فقد أظهرت دراسة حديثة[1] - طوّرت معيارًا لقياس الكفاءة الثقافية للنماذج اللغوية في السياق السعودي- أن هذه النماذج تواجه صعوبة أكبر كلما انتقلت من المعرفة الثقافية العامة إلى المعرفة الأكثر تخصصًا وارتباطًا بخصوصيات مناطق المملكة؛ وهو ما يذكّرنا بأن إتقان اللغة لا يعني بالضرورة فهم سياقها الثقافي.
لماذا التوطين مهم في السعودية؟
لو ألقينا نظرة على حجم الحضور الرقمي في المملكة لتبين لنا أن توطين المحتوى لم يعد مسألة هامشية، فنقلًا عن تقرير إنترنت السعودية 2025 الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، بلغت نسبة انتشار الإنترنت في المملكة ٩٩.٦٪، ويستخدم ٦١.٣٪ من مستخدمي الإنترنت الشبكة سبع ساعات أو أكثر يوميًا، وبلغت نسبة استخدام الخدمات الحكومية الإلكترونية ٩٦٪ والتسوق عبر الإنترنت ٧٦.٩٪. إن هذه الأرقام لا تصف مجتمعًا "متصلًا بالإنترنت"، بل بيئة أصبحت فيها التجربة الرقمية جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، وكل خدمةٍ أو منصةٍ أو منتجٍ عالمي يدخل هذه البيئة يدخل في عملية تواصل مع مستخدم له لغته ومرجعياته وتوقعاته.
ومن هنا تظهر قيمة التوطين في ثلاثة أبعاد مترابطة: الفهم، والثقة، والانتماء، فالمحتوى الموطَّن توطينًا سليمًا لا يؤدي إلى فهم الرسالة فحسب، بل يشعر القارئ أيضًا بأن الرسالة موجهة إليه خصيصًا وأنّ النص يتحدث إليه، وأن المنتج أو الخدمة صُمما وفق احتياجاته، لا أنه أضيف إليهما لاحقًا بوصفه مستخدمًا ثانويًا. وهذا يجعل التوطين ذا قيمة اقتصادية أيضًا؛ إذ إن تجربة المستخدم، ووضوح الرسالة، وسهولة الوصول إلى المنتج أو الخدمة، عواملٌ تؤثر في قدرة المؤسسات العالمية على التواصل مع السوق المحلي.
العالم يوطِّن
ولعل المنصات الرقمية العالمية تقدم أوضح الأمثلة على ذلك، فنتفليكس مثلًا لا تكتفي بعرض المحتوى بلغته الأصلية، بل تتيح الترجمة المكتوبة والصوت المدبلج بلغاتٍ متعددة، كما تتأثر اللغات المتاحة للمستخدم بموقعه وتفضيلاته اللغوية والعنوان الذي يشاهده، وتتيح المنصة أيضًا تغيير لغة واجهة العرض نفسها. واللافت أن قرابة ثلث نسب المشاهدات على منصة نتفليكس تكاد تكون لمحتوى غير ناطق بالإنجليزية، فيما توفر المنصة الترجمة المكتوبة في ٣٣ لغة والدبلجة الصوتية في ٣٦ لغة، وفقًا لبيانات نُشرت في 2025، وهذه الأرقام تكشف أن عبور المحتوى للحدود لم يعد عملية ترجمة لاحقة للإنتاج، بل أصبح جزءًا من استراتيجية وصول المنتج إلى جمهوره العالمي.
والأمر نفسه بصورٍ مختلفةٍ ينطبق على المواقع والتطبيقات والتجارة الإلكترونية والألعاب والخدمات الرقمية، فالمنتج العالمي الناجح لا يفترض بالضرورة أن جمهوره في الرياض أو جدة أو سواهما من مدن المملكة المترامية الأطراف سيتعامل معه بالطريقة نفسها التي يتعامل بها الجمهور في لندن أو نيويورك أو طوكيو.
السعودية ... من استقبال المحتوى إلى توطينه
تكتسب قضية التوطين في السعودية أهمية مضاعفة مع التحول الرقمي الكبير، واتساع قطاعات السياحة والترفيه والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، ودخول مزيد من العلامات والمنصات العالمية إلى السوق السعودي، بل إن تقرير إنترنت السعودية يشير إلى أن ٥٥.٤٪ من المتسوقين عبر الإنترنت يشترون من مواقع دولية، إلى جانب النسبة الأعلى التي تتسوق عبر المواقع المحلية.
وهنا ينبغي التنبيه إلى فرقٍ مهم بين «توطين المحتوى» و«المحتوى المحلي»، فالمحتوى المحلي في الخطاب الاقتصادي السعودي مفهوم أوسع يرتبط بتعزيز المكونات والقدرات والموارد المحلية، أما توطين المحتوى في سياق الترجمة والصناعات اللغوية فيعني تكييف المحتوى القادم من بيئةٍ لغويةٍ وثقافيةٍ مع البيئة المستهدفة، وقد يلتقي المفهومان، لكن أحدهما ليس مرادفًا للآخر.
ولا ينبغي أيضًا النظر إلى التوطين بوصفه طريقًا في اتجاه واحد؛ نستقبل من خلاله المحتوى العالمي ثم نعيد صياغته ليتلاءم معنا، فمع تزايد الحضور الثقافي والاقتصادي والسياحي للمملكة، تبرز الحاجة في الاتجاه الآخر أيضًا ليصبح السؤال: كيف نقدم المحتوى السعودي للعالم؟ كيف نشرح مفاهيمنا وممارساتنا وتجاربنا الثقافية لجمهور لا يملك بالضرورة المرجعية التي نملكها لفهمها؟ وهنا يتحول التوطين من مجرد خدمة لغوية إلى أداة للتواصل الثقافي، فكلما اتسعت حركة المحتوى عبر اللغات والثقافات، أصبح التوطين شرطًا من شروط التواصل الفعّال، والسؤال الأجدر بالطرح اليوم هو: كيف نُوطِّن المحتوى العالمي دون أن نفقد خصوصيتنا، وكيف نُوطِّن محتوانا المحلي ليصل إلى العالم دون أن يفقد هويته؟
وبين هذين الاتجاهين مساحةً واسعةً أمام المترجمين والمؤسسات الثقافية وصنّاع المحتوى؛ لأن الترجمة تنقل الرسالة إلى لغة أخرى، أما التوطين الناجح فيسعى إلى ما هو أبعد، وهو أن يجعل الرسالة تجد في كل ثقافة وطنًا جديدًا، تنتمي إليه وتتكيّف مع بيئته.
Ayash, L., Alhuzali, H., Alasmari, A., & Aloufi, S. (2025). SaudiCulture: A benchmark for evaluating large language models’ cultural competence within Saudi Arabia, Journal of King Saud University Computer and Information Sciences, 37(6), 1–22. https://doi.org/10.1007/s44443-025-00137-9